محمد حسين الحسيني الجلالي
1535
لباب النقول في موافقات جامع الأصول
اتّخذت النساء المنطق من قبل : أُم إسماعيل ، اتّخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة ، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل ، وهي ترضعه حتّى وضعها عند البيت ، عند دوحةٍ فوق زمزم في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء . فوضعهما هناك ، ووضع عندهما جراباً فيه تمر ، وسقاء فيه ماء ، ثم قفّى إبراهيم منطلقاً ، فتبعته أُم إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء ؟ فقالت له ذلك مراراً ، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : آللَّهأمرك بهذا ؟ قال : نعم ، قالت : إذن لا يضيِّعنا ، ثم رجعت . فانطلق إبراهيم عليه السلام ، حتى إذا كان عند الثنية - حيث لا يرونه - استقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ، فرفع يديه ، فقال : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ « 1 » حتى بلغ : يَشْكُرُونَ وجعلت أُمّ إسماعيل ترضع إسماعيل ، وتشرب من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت ، وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوّى - أو قال : يتلبّط - فانطلقت ؛ كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً ، فلم تر أحداً ، فهبطت من الصفا ، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف دِرْعها ، ثم سعت سعي الإنسان المجهود ، حتى جاوزت الوادي ، ثم أتت المروة ، فقامت عليها ، فنظرت ، هل ترى أحداً ، فلم تر أحداً ، ففعلت ذلك سبع مرات ، قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فلذلك سعى الناس بينهما . فلمّا أشرفت على المروة سمعت صوتاً ، فقالت : صه - تريد نفسها - ثم تسمّعت فسمعت أيضاً ، فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غواث ، فإذا هي بالملك عند موضِع زمزم ، فبحث بعقِبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء ، فجعلت تُحوِّضه ، وتقول بيدها هكذا ، وجعلت تَغرِفُ من الماء في سقائها ، وهو يفورُ بعد ما تغرف - وفي رواية : بقدر ما تغرف - قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يَرحمُ اللَّه أُمّ إسماعيل ، لو تركت زمزم - أو قال : لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينا مَعِيناً . قال : فشربت وأرضعت ولدها ، فقال لها الملك : لا تخافوا الضيعةَ ، فإن هاهنا بيتاً للَّه ، يبنيه
--> ( 1 ) . إبراهيم : 37 .